رأي
محمد رعد
الإثنين 16 شباط 2026
هي علامةٌ فارقةٌ أن يتصدر قائمة الشهداء في المقاومة الإسلامية قادة مؤسسون وأمناءٌ عامون ورموزٌ تفاخر الأمة بهم، وبما وهبوه لها ولتاريخها وحاضرها ومستقبلها، من رؤيةٍ جليّةٍ ومحفزاتٍ موضوعيةٍ واستشرافٍ لمساراتٍ واعدةٍ بتغييرٍ شاملٍ يتناسب مع صدقية الانتماء، واليقين بحقانيته، ومع منسوب التضحيات التي تبذلُ بإخلاصٍ وسخاءٍ في سبيل النهوض والخير العام، وتقديم النموذج الحضاري للبشرية في ميادين التحرر والكرامة الإنسانية وحفظ حقوق الإنسان والتزام منهج الحق والعدل في السياسة والحكم والاقتصاد والعلاقات العامة، في المدى الوطني والقومي والإنساني الرحب.
شيخ شهداء المقاومة الإسلامية راغب حرب شخصية نموذجية رائدة في صدق إيمانها بالله وبحقوق عباده الخاصّة والعامة، وفي تحسّس المسؤولية تجاه المجتمع والوطن، وفي الاجتهاد والمجاهدة من أجل إشاعة وتثبيت قواعد العدل والتحرر ومناهضة الظلم ومقاومة الاحتلال ومشاريع الإذلال وفرض الوصايات.
انطلق منذ بدايات الاحتلال الصهيوني للبنان عام 1982، فكان العالم الشجاع والزاهد والمخلص والنزيه والمحبّ والأنيس والواثق والمقدام، وصاحب اليقين بحق شعبه في الأمن والسيادة والتحرّر والرقي واختيار نموذجه الحضاري الذي يعبر عن قناعاته وتطلعاته. ولذلك صار مقيماً دائماً في قلوب وعقول أبناء شعبه، وحل ظلاً محبوباً في كل بيت وحي وبلدة ومدينة. وكان الترجمان الحي الناطق والمجسِّد لكل ما يدعو الآخرين إليه من حبٍّ وصدقٍ وكرمٍ وتضحيةٍ ووحدة موقف ونصرة للفقير وغوث للمحتاج وعطف على المستضعفين ونبل مع الشرفاء وإنصاف لذوي الحقوق. وارتقى بسلوكه، إلى مقام القدوة والأسوة التي لا سبيل لأيٍّ كان أن يطعن في مصداقيتها ونزاهتها وترفّعها عن كل شأن خاص، واقتحامها لمعترك الانتصار لقضايا الشأن العام.
جسَّد المقاومة بكل مضامينها الفكرية والأخلاقية والسلوكية والسياسية، وكشف بحضوره وأدائه شرور العدو المحتل وفساده وظلمه، وتقدّم صفوف مواجهته والتصدي لكبريائه وغطرسته فزرع في الناس ثقةً متناميةً بأنفسهم وبقدرتهم على مقارعة المحتلّين والانتصار على جحافلهم ومشاريعهم، وحفر في الذاكرة والتاريخ أن «الموقف سلاح والمصافحة اعتراف».
■ ■ ■
أمّا سيد شهداء المقاومة الإسلامية عباس الموسوي، فقد حجز مقعداً له بين العظماء في تاريخ قادة الشعوب وحركات النهوض والمقاومة، وتحول من طالب علمٍ أو عالمٍ في الحوزة الدينية إلى قيادي رسالي مثال في الصلابة والحنان، في الهدوء والثورة، في الموقف والتطبيق، في الولاء للمرجع الولي والقائد للأمة، وفي روح الأخوة والوفاء للمقاومين وتقدير جهودهم واحتضان همومهم والتواضع لهم والعيش معهم والتفقد الدائم لأحوالهم والاعتزاز ببطولاتهم وشجاعتهم وحفظهم في غيبتهم ورعاية ذويهم ومتعلِّقيهم.
مع انطلاق مرحلة العمليات ضد مواقع الاحتلال، أدّى دور الحاضن الراعي والمواكب المسكون بِهَمِّ الحماية للمقاومين لا من عدوانية الصهاينة فقط، بل من إحساسهم بالغربة وسط مجتمعهم الذي خابت ظنونه ورهاناته في ما مضى وبات لا يثق بإمكانيّة التصدي للغزاة ودحر مشروعهم. وكان يرى أن الدور المطلوب منه آنذاك هو تنفيذ عمليات بطولية جزئية وناجحة، ورفع منسوب ثقة الناس بالمقاومة وأبطالها، وإيقاظ الأمل في نفوسهم، وإثبات القدرة عملياً على مناهضة ما يريد الأعداء فرضه على بلادنا بالقوة والاحتلال. ولذا كان الحاضر دوماً في كهوف المقاومين، يشرح لهم أهميّة وعظمة ما يقومون به، يودِّعهم ويدعو لهم، ليلتقيهم مجدداً بعد إنجاز مهمّتهم للاطمئنان إلى تقييمهم وانطباعاتهم، ونقل صورتهم الحقيقية إلى المجتمع المترقب لنتائج عمل المقاومين وتأثيراته في العدو وفي الواقع السياسي والشعبي العام.
الحماية والرعاية للمقاومين كانتا تفرضان مواكبتهم بتوضيح بعض العناوين والمفاهيم العامة ونشرها بين الناس ليتعاطفوا مع أولئك الشجعان الذين يعاندون الظلام ويكابدون المشقات من أجل أن ينبلج الفجر الواعد بالضوء والباعث على الثقة والوضوح.
لماذا المقاومة؟ وماذا تريد؟ وما هي أهمية الرهان على خيارها؟ وما هي مسؤوليتنا تجاهها كمشروع فتي وكأفراد متطوعين لبذل دمائهم وأرواحهم من تحرير الأرض واستعادة السيادة والكرامة؟ وكيف يتحمل الناس تلك المسؤولية؟ وهل هناك حاجة إلى تنظيم وهيكليات وخطط وبرامج وإمكانات؟...
كل هذه المسائل كانت محل متابعة من السيد عباس وإخوانه في القيادة الذين عقدوا اختيارهم له أميناً عاماً يتصدى لمهمات إدارة تلك المرحلة وما تتطلبه من أعمال وأنشطة وترسيم لأهداف وخطط وبرامج وإمكانات...
وقد نجح في فرض وتيرة متنامية لعمليات المقاومة ضدّ دوريات الاحتلال ومواقعه، وتوسيع دائرة الاستقطاب البشري والانخراط في العمل المقاوم ومتطلباته المتنوعة، انتقاءً وإعداداً وتوزیع أعمال وتحضير عمليات وما شاكل.
يتعاظم المصاب حين يكون بديل الدولة عن المقاومة هو الاستسلام للعدو والإذعان لشروطه ومطالبه والقبول بالذل وتدنيس الكرامات
كما نجح في رفع منسوب الاحتضان الشعبي للمقاومين، عبر الإعلام المرئي والمسموع الذي نقل للناس صورة البطولات والاقتحامات للمواقع المعادية ومشاهد الانتصارات التي كانت تتحقق بشكلٍ متتابع، وعبر النزول إلى الأرض ورفع شعار مكافحة الحرمان والتواصل مع مختلف فئات المجتمع في أحيائهم وأماكن تجمعاتهم وأسواقهم وأندية مناسباتهم العامة، بمسؤولية وإقناع، وللاطلاع منهم مباشرةً على شكاواهم ومطالبهم وهمومهم وتحديد قنوات التواصل معهم. وهذا الأمر لم يقتصر على مكانٍ دون آخر، بل شمل العاصمة وضواحيها والجنوب والبقاع ومناطق في الجبل والشمال.
وفي غضون وقتٍ قصيرٍ زمنياً، أثمرت جهود المقاومة الإسلامية في ظل الأمانة العامة التي تولى دفتها السيد عباس حضوراً واسعاً وحيوياً على الصعيد الشعبي وعلى الصعيد الاجتماعي وعلى الصعيد السياسي والإعلامي العام.
وأملى هذا الحضور الفاعل والواسع الانتشار، والتفاعل الإيجابي المتزايد بين العمل المقاوم المرتفع الوتيرة وبين الاستقطاب والتأييد الشعبي لخيار المقاومة، واجباً كان يستشرف مسؤوليته السيد عباس مسبقاً نتيجة ما كان العدو يعبِّر عنه من غيظٍ وقلقٍ من نمو المقاومة.
ونتيجة الانزعاج الواضح الذي بدأ يظهر على ألسنة قيادات الدول الداعمة للاحتلال الصهيوني للبنان والداعمة لمشروع الاستسلام لشروطه، كان من الطبيعي أن يترجم غيظ العدو وانزعاج حلفائه تآمراً على المقاومة لوقف تناميها وإنهائها. وهذا ما دفع السيد عباس إلى إطلاق وصيته الشهيرة من على منبر الشيخ راغب حرب في جبشيت حين قال للناس: «سنخدمكم بأشفار عيوننا» و«الوصيّة الأساس حفظ المقاومة الإسلامية».
■ ■ ■
المرحلة القيادية الثالثة تولى إدارة وتوجيه دفَّتها رمزُ المقاومة وشهيدها الأسمى الأمين العام السيد حسن نصر الله، الذي واصل مسيرة من سبقه، وفيّاً لشعاراتهم، وحافظاً لوصيّتهم، وناشطاً في سبيل تعزيز وتطوير فاعلية المقاومة ضدّ الاحتلال، والتعبير سياسياً ومؤسساتياً عن خيار شعبها الحاضن لمشروعها الدفاعي عن لبنان، وتقديم تجربتها الناجحة كنموذج يُحتذى في كل بلاد المستضعين التي تواجه احتلالاً معادياً وتتوق إلى التحرّر والتحرير.
كانت الظروف مهيئة لمباشرة هذه المهمات. فالمناخ الشعبي عارم وعامر بالالتفاف حول المقاومة وخيارها، والنجاح العملياتي المطَّرد يفرض تأثيره الإيجابي، والانكفاء فرض نفسه على المشروع الإسرائيلي الذي لم يستطع العدو تمريره عبر من تعامل معه من اللبنانيين، فراح يتهاوى إلى حد انهيار ما كان يحلم بتحقيقه عبر إذعان لبنان وتطبيقه لاتفاق 17 أيار المشؤوم، وسقوط رهانات بعض قوى الداخل على الاستقواء بالاحتلال، ونجاح الجهود التي تراكمت لإنضاج تسوية سياسية بين اللبنانيين انتهت إلى صيغة وثيقة الوفاق الوطني التي أقرَّت في الطائف عام 1989، وجرى تعديل الدستور اللبناني في مقدمته وبعض مواده وفقاً لما ورد فيها.
وقد تضمنت الوثيقة هذه أربعة عناوين أساسية وهي: الإصلاحات الدستورية، العلاقات السياسية، بسط سيادة الدولة، وتحرير البلاد من الاحتلال.
وكان واضحاً مغزى الفصل بين بسط سيادة الدولة، وتحرير البلاد من الاحتلال الإسرائيلي، من أجل التمييز بين متطلبات بسط السيادة من حصرية السلاح بالدولة، وبين ما يفرضه واجب تحرير البلاد من شرعنة للمقاومة وسلاحها باعتبارها إحدى الوسائل المتاحة التي يلزم أن تتوسلها الدولة بهدف التحرير.
■ ■ ■
مع بداية تطبيق اتفاق الطائف جرى حل الميليشيات وواصلت المقاومة دورها الوطني المشروع لتحرير البلاد محتفظةً بسلاحها وبحق نقله وتسهيل حركته. وأقرَّ المجلس النيابي التعديلات الدستورية المتوافق عليها، وأجريت أول انتخابات نيابية بعد إقرار الوثيقة بعامين تقريباً، عام 1992، وشارك حزب الله فيها وفي كل دورة انتخابية إلى يومنا هذا. وفي الوقت نفسه، واصل مقاومته ضد الاحتلال الصهيوني واستطاع دحر العدو عن أرضنا اللبنانية من دون تفاوض ولا شروط ولا اتفاقية سلام. وصار للبنان عيدٌ وطني هو «عيد المقاومة والتحرير» يُحتفى به في 25 أيار كل عام.
ولولا إصرار العدو، بدعمٍ من حلفاء دوليين، على التمسك بالبقاء في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء الشمالي من بلدة الغجر متذرعاً لذلك بادعاء أنها سورية التبعيّة وليست أرضاً لبنانية، لكان لبنان قد طوى مرحلةً تاريخيةً استعاد فيها كامل أرضه المحتلة بدل أن يبقى قسمٌ منها محلَّ نزاعٍ دولي بينه وبين سوريا والكيان الصهيوني الغاصب، ويبقى معه اللبنانيون مصرّين على تحريره بكل الوسائل المتاحة بما فيها المقاومة المسلّحة.
■ ■ ■
في تموز 2006، شن العدو الصهيوني حرباً عدوانيةً ضدّ لبنان راهن فيها على رسم شرق أوسط جديد بدعم دولي استكباري، وإقليمي متواطئ. وانتهت تلك الحرب بعد 33 يوماً من المواجهة والتصدّي المقاوم، إلى فشلٍ ذريعٍ للعدو وخيبة واضحة في تحقيق أهدافه...
وكانت بصمات القائد الجهادي الكبير عماد مغنية (الحاج رضوان) ماثلةً بوضوحٍ في روحيّة المقاومين وعزيمتهم وفي برامج إعدادهم وتدريباتهم، وفي التكتيكات القتالية المعتمدة في الميدان، وفي الكمائن والتمويهات وحسن التوقعات عن نوايا العدو وخياراته المتاحة، وفي سرعة تبديل الحركة ومواقع الالتفاف على حركة العدو... واستحق هذا القائد المبدع أن يُسمى قائد الانتصارين: انتصار التحرير وانتصار تموز.
ولئن ختم الحاج رضوان حياته شهيداً، تضافرت على استهدافه عدّة أجهزة استخبارية، فإن خزائن خبرته ومدرسته القتالية وفنونه العسكرية وضعت بتصرف إخوانه الذين واكبوه في حياته الجهادية الطويلة، ودرّبوا وفق دروسها عشرات الآلاف من المقاومين ذوي الخبرة والذهنية الجهادية المتوقِّدة.
وإذا تسنى للعدو أن ينال من أميننا العام ويصبَّ براكين حقده وانتقامه متوهماً أنَّه بذلك ينهي خيارنا المقاوم ويخلي الساحة أمام عدوانيته وطغيانه، فهو واهمٌ حُكماً وحتماً، وسنن التاريخ تؤكد أن الحرب سجال: يوم لنا من عدونا ويومٌ لعدونا منّا، ومن يلتزم الحق والعزم على نصرته سيهزم الباطل وأهله والعاقبة للمتقين الذين يحسنون تقييم المعركة، فيحددون مواطن الزلل أو الضعف والثغرات التي تسلل منها الأعداء وانتهزوا فرصتها لينالوا منّا، ويشخّصون نقاط ضعف العدو ومواجعه وتحضير ما يلزم لاستهدافها في القادم من الزمان الذي يتحقق فيه النصر على عدونا، ويومئذ يفرح المستضعفون بنصر المقاومين.
■ ■ ■
وفي الختام، لا بدَّ من الإشارة إلى أنّه منذ عام 1992 وحتى 27/11/2024، تاريخ إعلان وقف النار بعد معركة أولي البأس، تداخلت ثلاثة أجيال من المقاومين في مهمات التصدي للاحتلال الصهيوني ولاعتداءاته المتعاقبة، وأدوا ما عليهم من دون أي كللٍ أو مللٍ أو تعبٍ أو تذمّر، فيما كانت الدولة غارقةً في غيبوبة عن حماية سيادة الوطن وممنوعة من التسلّح وتعزيز القدرات القتالية لجيشها، والشعب اللبناني يؤدي مع المقاومين من أبنائه واجب المقاومة والدفاع عن بلادهم، من دون أن يحظوا من دولتهم بالتقدير والاهتمام.
والتضحيات التي قدّمها المواطنون لا تنحصر في الأبناء الشهداء والجرحى والمعوّقين والأسرى فحسب، وإنما تطال الممتلكات والأرزاق والإنماء لبلداتهم ومناطقهم أيضاً. كما تصيب الإحساس بعدم الاستقرار. وأعظم من ذلك ما لاقوه ويلاقونه من نكرانٍ من الدولة لكل تلك المعاناة والتضحيات. ويتعاظم المصاب حين يكون بديل الدولة عن المقاومة هو الاستسلام للعدو والإذعان لشروطه ومطالبه والقبول بالذل وتدنيس الكرامات.
رغم ذلك كله، تبقى المقاومة المتصدية لحماية أهلها والمدافعة عنهم وعن مناطقهم ضدّ الاعتداءات الإسرائيلية، أحرص على الوطن والدولة وبناء قدراتهما، من كل أدعياء الدول الداعمة للكيان الصهيوني الغاصب لأرض الغير بالقوة، والحارس لمصالح تلك الدول في منطقتنا وعلى حساب حقوق شعبنا وسيادة بلدنا.
ولذلك، من حق المقاومة الإسلامية وكل فصائل المقاومة في لبنان أن تفاخر بإنجازاتها وتضحياتها، وبقادتها الشهداء وأن تجعل من ذكراهم المباركة مناسبةً تعبويةً لتجديد العهد والعزم على مواصلة نهجهم وخيارهم.
«فيا لله وللسادس عشر من شباط وما أفاض على اللبنانيين من عزّةٍ وانتصارات».
رئيس كتلة الوفاء للمقاومة